حول ظاهرة الغش في الامتحانات
إعلاميا كثر الحديث مؤخرا عن ظاهرة الغش في الامتحانات(وبعض مظاهر فشل المنظومة التعليمية) وتحميل المدرس/ة المسؤولية المباشرة في ذلك. ما يعاب على مثل هذا التحامل الإعلامي( والرسمي أحيانا) هو السقوط في التبسيطية والاختزالية و التعميم غير الموضوعي،لأن المدرسة المغربية لازال فيها بعض الشرفاء والغيورين على حاضر ومستقبل الوطن.
وشخصيا لا أحمل وزير القطاع المسؤولية المباشرة في مسألة الغش في الامتحانات(له مستويات من المسؤولية طبعا)،ذلك لأن المسؤولية يتحملها بالدرجة الأولى الأطر التعليمية والإدارية،ثم المسؤولين عن مراقبة وتتبع مصداقية الامتحانات من مفتشين ونيابات...
جل المقاربين لظاهرة الغش وتحميل المدرسين والمدراء بالدرجة الأولى المسؤولية لم يتساءل حول الأسباب الموضوعية والعميقة لتفشي هذه الظاهرة:لماذا يغش متعلمونا؟ ولماذا يساعد بعض الأساتذة والمديرين المتعلمين على الغش في الامتحانات؟
من خلال بعض الملاحظات والمتابعات الميدانية،يمكنني أن أذكر بعض الأسباب ذات الطبيعة الخاصة أوالعامة:
- ثقافة الفساد: الكل يقر بأن الفساد بكل أنواعه(الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية والقيمية والتربوية...) أصبح يستشري بشكل عادي في كل مؤسساتنا ومنظوماتنا العلائقية والخدماتية والمجتمعية بضفة عامة...دون تكريس ثقافة المحاسبة والعقاب ، والكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص،و ترسيخ القيم الأخلاقية والمواطناتية المسؤولة والمحبة لوطنها ومواطنيها...المدرس والمتعلم كائنات إنسانية تتفاعل سلبا أو إيجابا مع خصوصيات وسطها وتنشأ وتربى بحمولات وعلاقات الثقافة المجتمعية السائدة؛ بعض المدرسين والمتعلمين يعيدون فقط إنتاج ثقافة الفساد السائدة داخل المدرسة بأشكال تربوية ليس إلا.
- الخوف من العقاب:خوف بعض المدرسين والمدراء من العقاب الإداري في حالة النتائج الهزيلة،دون أن تكون لهم الشجاعة(إن كانوا طبعا مجدين ومخلصين في عملهم) للدفاع عن النتائج كما هي في الواقع،ذلك لأن الفشل المدرسي لا يتحمله المدرس وحده(كما يريد بعض الأميين التربويين والعلميين،والديماغوجيين ان يوهموننا)،أي مبتدئ في التربية والتعليم وعلوم التربية يعرف أن الفعالية والمردودية التعليمية تتحكم فيها عدة متغيرات( نفسية ،بيداغوجية،تدبيرية،سياسية،اجتماعية،اقتصادية،ثقافية، مهنية،مادية وتجهزية...).
الإشكالية الكبيرة هي أننا كأطر تربوية(البعض) نساهم في حجب شمس الأزمة الهيكلية للتعليم بغربال الغش ونفخ النتائج و"التسلاك"...دون أن تكون لنا الجرأة على طرح الاختلالات والأزمات كما هي، والنضال من اجل تجاوزها وتحميل الدولة وكل الفاعلين والمسؤولين المعنيين مسؤوليتهم في تأزيم واقع المدرسة العمومية والمجتمع عامة(رغم المجهودات المبذولة) ،لأن الفشل المدرسي له أسباب مركبة. المدرس(المتهاون طبعا) يتحمل فقط قسطا من المسؤولية داخل المنظومة التعلييمة، وهو نفسه غالبا ضحية الاختلالات والأزمات المهنية والمجتمعية السائدة.
- نفس هاجس خوف المدرسين والمدراء ينتقل عبر السلم الإداري تصاعديا؛معظم المسؤولين الإقليمين والجهويين والمركزيين ينخرطون في أغنية"عامنا زين" لتبرير الكفاءة والمردودية الجيدة لمؤسساتهم،وهناك من ينفخ إحصائيا في "أغنيته" لغايات معينة محلية او خارجية...(سيف الخريطة المدرسية)هذا ما يقوله منطق الأمور،مادام لا احد يتجرأ لمواجهة الواقع البشع بالعمل الجدي والإصلاحات الحقيقية والمواطنة، عوض تحميل المسؤولية "للحائط القصير" المدرس والمدير.وهذا توجه عام لا نلاحظه فقط رسميا بل حتى إعلاميا!لا ندري هل ذلك يدخل ضمن خطة مبيتة لتبخيس صورة المدرسة العمومية(عبر أطرها)،لتعبيد الطريق لسياسة الخوصصة والاختيارات الرأسمالية في مجال التعليم؟!أم ان الأمر مجرد جهل مركب غير مقصود بواقع المدرسة العمومية المغربية؟!
- تقييمات تقليدية: رغم خطابات التربية الحديثة والمقاربات البيداغوجية الجديدة المعتمدة(بيداغوجيا الكفايات...) لازالت طرق وإجراءات التقييم(الامتحانات) تقلييدة تتمركز بشكل كبير حول بيداغوجيا المحتويات والمعلومات والذاكرة(حفظ،استرجاع...)،لم يتم بعد أجرأة مقاربة التقييم بالكفايات في مدارسنا،حيث تستهدف الوضعيات التقييمية أساسا الكفايات وليس المضامين والمعلومات،إذ يمكن السماح للمتعلم الاستعانة بمختلف الموارد والمراجع،من مقررات،وكتب،ووسائل..(وهذا سيعفينا من ظاهرة اللجوء إلى النقل والغش) لحل الوضعية التقييمية والتعبير عن مدى تحكمه في الكفايات موضوع التقييم .التقييم بالكفايات تجعل المتعلم وجها لوجه أمام قدراته وكفاياته الذاتية،حيث لا يمكن لأحد ما أن ي ساعده في ذلك.
كذلك يجب ان نشير إلى مسألة مصيرية وحيوية تتعلق بالتقييم الموضوعي والمنصف؛لا يعقل ان تبقى أسئلة امتحاناتنا تقليدية في بنائها(الكفايات المستهدفة، الوضعيات التقييمية ،معايير التقييم،سلم التنقيط، زمنية التقييم..) ومصداقيتها وإنصافها للمتعلمين:هل يعقل أن يجد المتعلم نفسه أمام سؤال واحد ووحيد ينقط على 6 أو 8 او 10...(ممكن ان يخطأ فيه بسبب غياب التركيز والضغط...)دون إعطائه أكثر من فرصة(تطبيق قواعد التقييم عند "كزافيي" 2/3أو3/4 ...) للتأكد من مدى تحكمه في كفاية معينة؟! وغالبا تتمحور جل الأسئلة حول استرجاع كم معين من المعلومات،قد يجد المتعلم صعوبات كبيرة في حفظها(نضخم المقررات والمواد)،وفي استرجاعها بدقة أثناء الامتحان.وماهي المعايير البيداغوجية والعلمية التي تحدد الغلاف الزمني لمادة معينة أثناء الامتحان؟
يجب إعادة النظر في طرق التقييم والامتحانات حسب المقاربة بالكفايات( تطبيقيا)،والتخفيف من تضخم المقررات والمواد، وإعطاء المتعلم كل الوقت الكافي موضوعيا والملائم لطبيعة الفروقات الفردية وخصوصيات كل مادة.
نتمنى ان يكون الإصلاح الجديد( المبلور في الخطة الاستعجالية2009-2012) صادقا وجديا لتجاوز الاختلالات الحقيقية على مستوى التطبيق،لان من يقرأ الخطة الاستعجالية يلمس بانها لا مست كل الاختلالات الحقيقية للمدرسة المغربية،بما فيها إعادة الاعتبار للمدرس/ة والمتعلم/ة والمدرسة،لكن ان يبداها السيد خشيشن "بالحرب" مع احد أعمدة الاصلاح ألا وهو/ هي المدرس/ة(مذكرة وإجراءات الغياب المتسرعة،اقتطاعات أيام الإضراب،بلورة الخطة دون إشراك كل المعنيين...)،قد يعبر عن سوء نية الاصلاح الجديد(وقد لا تكون مقصودة)،ويوتر جو التعبئة والانخراط الحماسي،مما يضرب في العمق ثقافة الاشراك والديمقراطية،والاحترام اللازم للأطر التربوية،وتوفير الشروط الموضوعية لنجاح الإصلاح الجديد.
الغش في الامتحانات هو جزء من ثقافة الفساد السائدة، لذا لا إصلاح حقيقي دون محاربة الفساد التربوي بكل أشكاله التربوية والتدبيرية،و دون الإعتناء الجدي بالظروف الاجتماعية والمهنية للأطر التربوية،و دون توفير الشروط الصحية والضرورية لمدرسة عمومية مواطنة وجيدة.
* محمد الصدوقي
كتبها محمد الصدوقي في 09:22 مساءً ::
الاسم: محمد الصدوقي
