تربويات/إبداعات

السبت,حزيران 28, 2008


من حوار إليكتروني مع رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية في دمشق د. عماد فوزي الشعيبي

جريدة"العرب اليوم" الأردنية

 

 

- محمد الصدوقي / كاتب مغربي

هل لدينا في العالم العربي استراتيجية معرفية وعلمية في اختياراتنا السياسية الثقافية والتعليمية والتكوينية? ما هي في نظرك معيقات الاندماج في الحداثة المجتمعية في عالمنا العربي?وما هي اقتراحاتك في ذلك?

عماد فوزي الشعيبي

 - عماد فوزي الشعيبي:السادة محمد الصدوقي, خالد الساحلي,, يوسف هريمة. بين الفلسفة والسياسة ودور المثقف ثمة مسألة في غاية الأهمية وسؤال أكثر من مهم في الحقيقة لم أطمح أن أكون معبرا عن رأي كل شخص من مواطني بلادي فكيف لي أن أتوهم أن اكون مقبولا من كل أخواني في الوطن العربي, حسبي في أحسن الأحوال أن أنجو من لوم مبستر أو حقد لا مبرر له لمجرد الاختلاف حيث التنوع هو سمة الوجود فما البال بالبشر. كثيراً ما استوقفتني تلك الجرعة الحماسية والوجدانية التي يتكلم بها البعض من المثقفين وأجيال الطلاب ورواد المقاهي... من السياسة وقضايا المنطقة وبعض القضايا الداخلية. عشت التجربة مرتين: مرة من موقعهم ومرة من خارج الدائرة; بل من دائرة ثانية. دائرتهم فيها وجدان والدائرة الثانية فيها معطيات ومعلومات. الدائرة الأولى تحدد ما يجب أن يكون, والثانية تتحدث عن فن الممكن.

في دائرة الوجدان كل شيء يمكن أن يتحقق, ولا يلزم إلا قليل من الإرادة والكثير من البراءة وجرعة إضافية من الشرف والأمانة. لا شيء أصعب على المرء من أن يعمل بالسياسة ويفتقد للدائرة الثانية; أي لمعطيات الواقع والصعوبات والتمايز بين الحاجات والإمكانات. أتطلع أحياناً برثاء إلى أولئك الذين بلغوا عمراً متقدماً ولا يزالون يتحدثون بلغة (ما يجب أن يكون).

ربما يحتاج الأمر -فعلياً- لمن يذكّر المنغمس في (فن الممكن) بما (يجب أن يكون), ولكن الغلو هو أن يتصور من هو في قطاع الوجدان أنه يمتلك الحقيقة, كل الحقيقة. أحياناً, من يعيش المعطيات والتحديات والوقائع المختلفة, أي من يعيش الممارسة السياسية, سرعان ما يضيق صدره من أولئك الذين يذكرونه, من موقع الحاقد أو الناقد الشديد, بما يجب أن يكون, وكثيراً ما يرنو إليهم باحتقار ذلك أنهما من موقعين مختلفين. في نقد العلم, ثمة مصطلحات يتم استخدامها; الإكسيتوري والإيزيتوري. ويقصد بهما للأول من هو خارج الاختصاص وللثاني من هو داخل الاختصاص. فالطبيب داخل اختصاص الطب; فهو (إيزيتوري), أما المريض أو حتى الممرضة فهما من خارج الاختصاص; فهما (إكسيتوري). ولا يحق لمن هم خارج الاختصاص أن يتحدثوا بلغة الاختصاص. أخطر ما في الأمر هو أن يصف المريض لنفسه دواء بعد أن يشخص المرض بنفسه. وهذا هو حال رواد الوجدان في العمل السياسي. إنهم جميعاً (إكسيتوريين). يمارسون فعل السياسة من خارج المنظومة كلها. هؤلاء جميعاً قد يكونون أنقياء ووطنيين وشرفاء وغيورين... إلا أنهم ليسوا سياسيين.

هؤلاء الإكسيتوريون, على مختلف مشاربهم يبعثون أحياناً على الأسى. فأنت تتمنى أن يعلموا ما لا يعلمون لأنهم يشكلون احتياطاً استراتيجياً للعمل السياسي الوطني. كثيراً ما فكرت بمثل هذا. ولكن هذا التفكير اصطدم بدوره بأنه بمثابة (ما يجب أن يكون), إذ علمتني تجربة السياسة أنها بصرف النظر عن الرغبات تبقى تجربة نخبوية وأن تراتيب العمل السياسي تدفع نحو أن يكون المعطى لدى الرأس ومن يعمل في ثنايا العمل السياسي التفصيلي, وكل على قدر مسؤوليته. إذاً, حتى الرغبة في إنقاذ الوجدانيين الإكسيتوريين من سذاجة تدخلاتهم تصطدم بأنها ليست أكثر من مشروع طوباوي, لأن الحياة مقسمة فعلياً بين إكسيتوريين وإيزيتوريين.

هل هذا هو ما يقف وراء الصراع (الأبدي) بين السياسيين والمثقفين, وذلك الفراغ بين السياسيين ورجال الأخلاق والقيم?!... نعم. هذه الإجابة تضيرني كثيراً والاعتراف بها أكثر من مؤلم; لأن التضحية بالنخب الفكرية على مذبح الجهل المفروض من موقعين مختلفين أحدهما (داخل) والآخر (خارج) المنظومة يدفع نحو الأسى الوجداني والإنساني.ولكن الإجابة على هذا تأتي من القول: " ومن قال بأنه على مسار المسافة الممتدة من الثقافة إلى السياسة لا يوجد ضحايا?!" هذا القول الواقعي البراغماتي مع كل ما يعبر عنه من وقائع... غير عادل. لغتان لا تتقاربا إلا كي تبتعدا من جديد. لغة الواقع ولغة الوجدان, لغة السياسة ولغة الفكر, لغة الإكسيتوري ولغة الإيزيتوري.

كلاهما معه حق وكلاهما ليس معهما حق!!. كثيراً ما حلمت بجسر الهوة بين الطرفين; تثميراً لإمكانات الأول, ودفعاً للظلم عن الثاني ولكن الحلم كان يصطدم بالواقع ويطوي صفحة هذا الحلم الجميل. كان ذلك جزءاً من طوباوية مثقف انتقل إلى موقع جعله يرى ويسمع المعطيات والوقائع, فكان يحن على أقرانه (حنو الحديد على حاله) فيما يرفع التحية للسياسي على معاناته أمام الوقائع الدائمة الحركة حيث التعامل معها لايني يفرض نفسه. في ختام النوسان بين موقعين كان لابد من احترام المثقف ورفع القبعة للسياسي. إحدى الأفكار التي عملت عليها كانت تطعيم السياسة بالثقافة. كانت الفكرة ضرباً من موقف وسطي بين الانفصال بينهما واقعاً والاندماج المستحيل. لكن هذه الفكرة التي راقت للبعض وقبلها بعض السياسيين من دون تحفظ سرعان ما اصطدمت في لحظة من اللحظات مع وقائع الأزمات السياسية, حيث أن تطبيقها يتطلب أن يكون المناخ السياسي مرتاحاً في هذا البلد أو ذاك.

أما في الأزمات فلا مكان في لحظة القرار للإكسيتوريين. في غنيزيولوجيا المعرفة; أي (نظرية المعرفة), المثقف هو ذلك الشخص الذي يبقى يشك والذي يحشر أنفه في كل شيء, ولكن في علم إدارة الأزمات لا مكان لدى قائد العمليات للشك ولا يستطيع أن يتحمل في (لحظة الحقيقة) التردد وتنوع الأفكار. ولهذا, فإن مشروع التطعيم هذا لم يستطع أن يجد لنفسه مكاناً تحت شمس محرقة هي شمس الأزمات. ومما يبعث اليوم على البحث الجدي الظروف التي ما فتئت تجعل الفكر السياسي أو الدور الثقافي في دول العالم الثالث انعكاساً للمتحولات الدولية و (للنمو) الثقافي للآخرين; إذ أن الدور الثوري أو تخيل المثقف لنفسه على أنه داعية أو حامل مشروع أو ناقل معرفة إلى الجماهير لم يكن دوراً تاريخياً للمثقف ما خلا الداعية الديني, وهو تاريخياً داعية لما بعد الحياة, ومجرد واعظ دنيوي, لا أكثر.

في الوقت الذي لم يعرف الطيف الوجودي للمثقفين دور المغيّر أو ناقل الوعي أو القائد السياسي إلاّ على حاملة المشاريع الثورية وعلى رأسها الماركسية, وهي في التحليل الأخير وليد شرعي لتلك المرحلة وتلك الإيديولوجيات, وبالتالي فإذا كان الدور الفاعل للمثقفين قد انتهى من دون تحقيق الحدّ الأدنى المأمول فذلك,ربما, لأنه نشأ مفعولاً به. فلقد آن الأوان كي يدرك المثقف أن دوره (كدّاعية) قد انتهى. وأن وهم إقامته حارساً على الحرية وأميناً على (خط الجماهير) لم ينته بأمثاله إلاّ خلق ديكتاتوريات سيئة للغاية أو إلى ابتعاد الناس عنه. فالجماهير ليست بعجينة يُكيّفها الفعل وفكرة الطليعة تهاوت على مذبح (النخبة) تعيش شتاتاً (دياسبورا) عن الناس وعن الدولة وعن بعضها بعضاً, وتتعايش (بالتعايش النميمي!!) وتتوهم أنها من يمتلك الحقيقة ولا تدرك أنها ليست تمتلك أكثر من دور الواعظ والشاهد على الزمن الذي يسير أحياناً من إخفاق إلى إخفاق, وهذا ليس جلداً للذات إنما هو التوصيف الدقيق لواقع المثقفين المترهِّل.

وعلى خلفية التحّولات المعلوماتيّة,تذهب دراسات وأبحاث إلى إعادة نبش الفكرة الأفلاطونية عن موقع المثقف في النظام العالمي الجديد, وإذ يُغالي "شمعون بيريز" في دور المثقف فإن »ألفين توفلر« يذهب إلى تعيين موقف يقول بأن الدور الجديد للمعرفة قد أصاب السلطة في متحوَّلاتها, وأن العنف والمال والمعرفة هي مصادر ثلاثة للسلطة,وهي تقبل الاستخدام في مختلف مستويات الوجود الاجتماعي وصولاً إلى المسرح السياسي.لكن المعرفة أعظم وسائل السلطة قيمة لأنها الأكثر قدرة على التلاؤم وهي عامل مضاعِفٌ للثروة والقوة, والانقلاب الحاصل اليوم في العالم يتمثل في إخضاع القوة والثروة لحكم المعرفة, إذ أن القوة قد باتت في يد "الذكاء الكامن والمختزن". وعلى هذا فإنه قد انقضى العهد الذي كانت فيه المعرفة مجرد عون لسلطة الثروة أو لمجرد القوة الجسدية,فهي الآن جوهر الدولة كما أنه معين لا ينضب. ومن هنا فإن قواعد لعبة الدولة قد اختلفت بدخول هذه اللعبة على أسس المعرفة.

ولكن إذا كان "توفلر" يرى أنّ الدولة في العصر الحديث قد بدأت تستند إلى المعرفة, فإن هذا قد يوحي بأن المعرفة قد باتت نخبوية باعتبار أن السلطة هي في المآل الأخير نخبوية,ولكن الأمر يغدو مختلفاً نوعاً ما; إذ أن للمعرفة خصوصية الاتساع,فهل تفضي نخبوية السلطة إلى توسيع مساحاتها? إنه السؤال الأكثر أهمية في عصرنا الحديث, وهو السؤال الذي يفسح في المجال أمام بحث العلاقة بين السلطة والمثقف على أساس نخبويتهما من ناحية, وعلى أساس اشتراكهما في لعبة (المعرفة).وهذا الأمر رغم أنه جوهري في الدول الغربية إلاّ أنه غير ذلك في الدول العربية; إذ أن السلطة تستطيع امتلاك المعرفة من دون الحاجة إلى جموع المثقفين, وهي غير مضطرة دائماّ, كما هو الحال في الغرب, إلى احتوائهم, لأنها قدرة على الوصول إلى المعرفة عبر سيطرتها على منابع ومناهل المعرفة من ناحية وقدرتها على توظيف المثقفين في أجهزتها الحكومية. ويمكن القول أن وظيفة المثقف باتت تختلف أيضاً عن نموذج المثقف الذي طرحه "توفلر"; إذ من المؤكد أن الأنظمة السياسية ستتأثر بتراجع قيمة ونوعية الثقافة التي تفرضها قيم المثقف المستهلك الذي يستخدم معارفه من أجهزة الاتصالات التلفازية والكمبيوترية التي تلغي طقوس الثقافة الورقية المعمّقة لصالح طقوس الثقافة السطحية وهذا أمر سيفضي إلى تكون شريحتين فعليتين إحداهما لا علاقة لها بالسياسة بسبب سذاجتها وسطحية ثقافتها وأخرى عميقة وتتوافر لها ثقافات المعارف الأوسع عبر شبكات المعرفة الحاسوبية, ولكنها لسوء الحظ مستبعدة من السياسة لأسباب تتعلق بها وبغيرها.

ولكن من المؤكد أن نسبة الشريحة الأولى ستكون (طاغية) على نسبة الشريحة الثانية, الأمر الذي سُيريح الأنظمة السياسية من نموذج المثقف الذي يحشر أنفه في كل شيء حسب تعبير »سارتر«, وسيوفر لها في حالة تشكلها المؤسّساتيّ نوعيّة من المثقفين لم تتوفر من قبل متجاوزة مفهوم "الثورة" بشكل لم يسبق له مثيل, الأمر الذي سيلغي هذا المفهوم (إلى النهاية), من الشريحة الاجتماعية الأولى المنشغلة بالاستهلاك والسطحية وبشكل تلقائي,كما سيكون مثقف الشريحة الثانية أكثر اندماجاً بالسلطة الاجتماعية السياسية. وعلى هذا فإن إعادة إحياء الطبقة الوسطى التي كانت في النظام السياسي السابق بؤرة للتثوير باتت ضرورية, لأنها ستكون فرصة للتوازن الاقتصادي-السياسي -الاجتماعي,الذي افتقد بسبب إفقار هذه الطبقة,وهو الأمر الذي أدى إلى ابتعادها عن العمل السياسي تلقائياً وانشغالها بلقمة العيش.

وبإحياء هذه الطبقة مع اندماج ثقافة (اللاثقافة) في الشريحة الأولى والعمق والاتساع والعالمية والتوظيف السليم في الشريحة الثانية,ستكون الفرصة ممكنة ولأول مرة في التاريخ المعاصر والحديث,لإعادة دمج المثقفين بالدولة,وهو الأمر الذي لم يكن من قبل بسبب حالة الطلاق بين الثقافة المؤدلجة والسياسة البراغماتية. لقد حدث أن تنبأ ماركيوز في الستينيات من هذا القرن باندماج الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي معتبراً أن الطبقة الثورية الوحيدة الآن هي الطبقة المثقفة وخصوصاً الطلابية, إلا أن (الثورة) باعتبارها قد أزيلت من القاموس السياسي للنظام العالمي الجديد أو هي في طريقها, فإن الاندماج سيكون واقعاً بين المثقفين والسلطة السياسيّة, فيغدو المثقفون تروساً في ماكنية الدولة,أما جانبهم النقدي فسيصبح جزءاً من هيئات الرقابة والتفتيش ضمن الدولة نفسها,وبالتالي فلا مجال للعزف خارج الجوقة, وحيث سينقرض نموذج المثقف الذي يرى نفسه الأقدر على الحكم. إن الثقافة المعلوماتية المتدفقة ستخلق لدى الشريحة الأولى نوعاً من العقلية الجماعية شبه العالمية التي ستصوغ نمطاً من (الثقافة) القادرة على الهدم والتجديد بسرعة فائقة للغاية, وهي بالتأكيد ستكون عابرة للقوميات والحدود السياسية, الأمر الذي سيُضعف دور الأحزاب السياسية التقليدية.

إذ ستشارك دول أخرى في التصويت لمرشحين ومحاولة إسقاط مرشحين آخرين عبر الأقمار الصناعية. وهذا ما سيجسّد مرة أخرى فكرة (عالمية سيادة الدولة),وستكون القدرة على الضبط العالمي أوفر بشكل لم يكن متوافراً من قبل الأمر الذي سيجعل الإكراه المرزول أكثر تراجعاً في العمل السياسي الدولي,لصالح الضبط...العالمي تحت عناوين أهمها (الديمقراطية);التي ستكون بمعنى من المعاني,مشاركة الدول الأخرى في حكم بعض الدول.

.....................................................................................

http://www.alarabalyawm.net/pages.php?news_id=82874